عبد الملك الجويني
349
الشامل في أصول الدين
فإن زعموا أن الأقانيم موجودة ، وأنها مع الجوهر أربعة موجودات ، غير أنهم مع الاعتراف بذلك ، منعوا من إطلاق المغايرة ، فهذا قريب . إذ حملهم على الامتناع من المغايرة إنباؤها عن جواز العدم كما قدمناه في باب التغاير . غير أنهم يلزمهم ما لا قبل لهم منه وهو إبطال التثليث وإثبات التربيع . فإنه إذا ثبت الوجود لأربعة فقد زال التثليث . ويقال لهم : إذا جعلتم كل أقنوم إلها ، فهلا جعلتم الجوهر إلها ؟ وهذا ما لا محيص لهم عنه . وإن اعترفوا بذلك ، زيغوا وانسلوا من النصرانية . والنصارى على اختلاف مللهم مجمعون على التثليث . فهذا لو زعموا أن الأقانيم موجودات . فإن زعموا أنها لا توصف بالوجود ونزلوها منزلة الأحوال ، قلنا : عليهم طرق ، أقربها مأخذا نفي الأحوال . فإذا سددنا عليهم طرق إثبات الأحوال ، بطل كل ما عولوا عليه ، وصدهم عن إثبات الأحوال هين مع إنكارهم كون القيام بالنفس حالا ، وكذلك قولهم في السمع ، والبصر ، والبقاء ، والقدم ، وكل ما يحيل كون هذه الأشياء أحوالا ، فهو متحقق في الأقانيم التي ذكروها . وسنذكر في رد الأحوال وإثباتها قولا مقنعا في كتاب « الصفات » إن شاء اللّه تعالى . فهذه طريقة . ولنا أن نقول : إن منعتم كون الجوهر غير الأقانيم ، وقدر استقامة ذلك لكم ، فما قولكم في كل أقنوم مع الأقنوم الآخر ؟ فإن زعموا أنهما متغايران ، فقد هدموا ما بنوا ونقضوا ما استبنوا . فإن الأقانيم لا تتصف بالوجود في ذواتها ، فكيف تتصف بالتغاير ؟ وإن لم يبعد ذلك ، فلئن لا يبعد التغاير بين الجوهر والأقنوم أولى . فإنه إذا تغاير معلومان ، غير موصوفين بالوجود ، فلأن يمتنع أن يغاير موجود معلق ما لا يوصف بالوجود [ أولى ] « 1 » . وإن زعموا أن الأقانيم لا تتغاير ، فقد قاربوا . ولكن يقال لهم : الأقانيم مع امتناع تغايرها ، تثبت وتوضح بأنها ثلاثة ، فما المانع من عد الجواهر رابعا له ، وإن لم يكن مغايرا لها ؟ وهذا ما لا محيص منه إلى النباذ . وإن عادوا إلى الجهالة الأولى ، وزعموا أن الجوهر عين الأقانيم ، عدنا لهم ، وأوضحنا افتضاحهم . فإن قالوا : قولنا فيما ألزمتمونا ، كقولكم في الجوهر وأحواله ، إذ أثبتم الأحوال . قلنا : إن رضيتم بذلك حكما خصمتم . وذلك أنا إذا أثبتنا الأحوال ، فيتصف الجوهر مع أحواله بأنها معلومات ، ولا يتحاشى من عد الأحوال . ثم إذا لم يستبعد ذلك في الأحوال ، لم يستبعد في الجوهر الموجود . فإذا وصفنا الجوهر بثلاثة من الأحوال ، لم يبعد أن يكون الجوهر معها أربعة . بل الجوهر أولى بالعد من أحواله . ولو امتنع ممتنع من العد ، فنمتنع عن تعدد الأحوال دون الذوات . فأما المصير إلى عد الأحوال ، والامتناع من عد
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .